ليبيا 24:
على حافة الهاوية
تشهد طرابلس حالة من الترقب القلق، تتخللها تحشيدات عسكرية متبادلة تذكر بالأجواء التي سبقت حروب سابقة هذه التحركات، التي يقودها فصائل موالية لرئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة من جهة، وتحالف يضم قوة الردع وميليشيات مسلحة أخرى من جهة ثانية، أعادت الأضواء إلى المشهد المعقد في غرب ليبيا، مما يهدد بإفشال المسار السياسي الهش برعاية الأمم المتحدة ويدفع بالبلاد نحو موجة عنف جديدة قد تكون عواقبها غير محسوبة.
الدبيبة وقوة الردع: صراع وجود أم صراع نفوذ؟
في قلب هذه العاصفة، يبرز تصريح النائب علي التكبالي، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، الذي يعتبر مراقباً مقرباً من دوائر صنع القرار.
ويرى التكبالي أن التحركات الأخيرة هي “محاولة واضحة من الدبيبة لتصفية قوة الردع ومن يتحالف معها”، في مسعى منه للانفراد بالسيطرة على طرابلس وفرض نفسه كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه في أي مشهد سياسي قادم.
ويوضح التكبالي في تحليله أن الدبيبة “يعلم جيدًا أنه إذا لم يتمكن من القضاء على الردع، فلن يكون له مكان في أي حكومة قادمة”، مما يدفعه إلى “إزاحتهم بأي ثمن”.
الهدف النهائي، بحسب النائب، هو “بسط سيطرته على طرابلس بالكامل”، ليصبح الممسك بزمام الأمور في الغرب الليبي، في مقابل سيطرة المشير خليفة حفتر على الشرق، وبالتالي يظهر “وكأنه شريك في الحل السياسي” على قدم المساواة.
تعقيد الميدان: قوة الردع ليست مجرد كتيبة واحدة
غير أن التكبالي يشكك في نجاح هذا السيناريو، مشيراً إلى أن حسابات الدبيبة قد تكون خاطئة فهو يرى أن “الدبيبة يظن أن قوة الردع محصورة فقط في كتيبة معيتيقة، بينما الحقيقة أنها مدعومة بعدة ميليشيات أخرى يتجاوز عدد عناصرها عشرة آلاف” وهذا العدد والتشابك يجعل من أي مواجهة عسكرية محتملة عملية “معقدة ومكلفة” للغاية، وقد تفتح أبواب جحيم يصعب إغلاقها.
الضغط الدولي: مهلة زمنية ضيقة ومأزق سياسي
ويكشف التكبالي عن عنصر ضغط حاسم، وهو أن “تركيا وإيطاليا طالبتا الدبيبة بإنهاء النزاع خلال يومين فقط”، ما يضعه تحت “ضغط كبير”.
هذا الضغط الدولي، المقترن بالوضع الميداني المعقد، يضع رئيس الحكومة، حسب التكبالي، في “مأزق حقيقي” ويحذر قائلاً: “إذا بدأ الحرب فستكون بمثابة نهايته السياسية”، خاصة في ظل ما يحيط بسمعته من “تقارير الفساد وسرقة المال العام، والتي تحدث عنها الإعلام الدولي”.
شكوك حول الدوافع: البقاء في السلطة بأي ثمن
يتعمق التكبالي في تحليل دوافع الدبيبة الشخصية، معتبراً أنه “يتصرف باندفاع كبير، ويبحث عن البقاء في الحكم بأي طريقة” ويربط هذا السعي بالخوف من المحاسبة، قائلاً: “لأن انكشافه يعني انكشاف عائلته وداعميه”، ملمحاً بشكل مباشر إلى إبراهيم الدبيبة الذي “يقدم نفسه كمستشار للأمن القومي، وهو لا يفقه شيئًا في هذا المجال”.
المبادرة الأممية: إعادة إنتاج للمقاربات الفاشلة؟
وفيما يتعلق بالجهود الدبلوماسية الجارية، يبدو التكبالي متشائماً، معتبراً أن المبادرة الحالية للبعثة الأممية “لا تختلف عن المبادرات السابقة”، ولا يُتوقع أن تحقق نتائج ملموسة.
ويؤكد أنها “مجرد إعادة إنتاج لمقاربات فاشلة حاولها مبعوثون سابقون دون جدوى” ويشبهها بـ”الخارطة التي قدمها المبعوثون الأوائل، مثل ستيفاني ويليامز”، معتبراً أنها “لا تُفضي إلى شيء لأنها تقوم على مبدأ التوازن الدبلوماسي بين طرفين غير متكافئين، أحدهما معتدٍ ومجرم، والآخر يسعى لإعادة الاستقرار إلى ليبيا”.
السياق الأوسع: اغتيال الضاوي وتآكل حصانة أمراء الحرب
هذه التطورات لا تأتي من فراغ، بل تتزامن مع محاولة اغتيال معمر الضاوي، آمر الكتيبة 55 مشاة، وهي حادثة تسلط الضوء على التحولات الدراماتيكية في وضعية قادة المجموعات المسلحة في غرب ليبيا.
بعد سنوات من التمتع بنفوذ واسع وحصانة شبه كاملة، بات هؤلاء القادة محاصرين بين مطرقة التصفية الجسدية وسندان الملاحقة القضائية محلياً ودولياً.
ويوضح التكبالي أن تحالف هؤلاء القادة مع حكومة الدبيبة منذ عام 2021 هو الذي منحهم هذه الحصانة وحال دون ملاحقتهم، مشيراً إلى أنه “جرى شرعنة وضع أمراء الحرب في عهد حكومة الوفاق الوطني، عبر ربط تبعية بعضهم بالمؤسسات السيادية والأجهزة الأمنية، مما وفّر لهم غطاءً ضد الملاحقة، رغم تورطهم في جرائم قتل وتعذيب وتهريب البشر والوقود”.
ولكن هذا التحالف، بحسب التكبالي، انهار مطلع العام الحالي، بسبب سعي بعض قادة الميليشيات للسيطرة على مؤسسات الدولة من ناحية، ورغبة الدبيبة في أن يكون الممثل الوحيد للسلطة في الغرب الليبي على طاولة المفاوضات من ناحية أخرى. هذا الصراع “ضاعف الضغط المحلي والدولي على هؤلاء القادة”، خاصة مع قيام الدبيبة بتوظيف مذكرات القبض الدولية الصادرة بحق بعضهم، مثل أسامة نجيم.
الموقف العسكري: تحذيرات من العواقب الوخيمة
من جهته، انضم الفريق أسامة جويلي، آمر المنطقة العسكرية في الجبل الغربي، إلى صوت التحذير، مؤكداً في بيان عاجل أن “أي عمل مسلح داخل العاصمة مهما كانت مبرراته هدفه إفشال العملية السياسية التي تيسرها البعثة الأممية”، محذراً من أن “نتائجه ستكون كارثية على الجميع” ويمثل هذا التصريح موقفاً عسكرياً مهماً يرفض الدخول في مغامرة عسكرية داخل طرابلس.
الرأي السياسي: الحرب ليست أمنيات أو استعراضاً
ويبدو المترشح الرئاسي السابق، سليمان البيوضي، متفقاً مع هذه الرؤية، لكنه يقدم تحليلاً اجتماعياً وسياسياً مختلفاً.
يؤكد البيوضي أن “الحرب ليست استعراضا أو تحشيدا هنا وهناك، إنما هي حالة عامة يمكنك أن تلتقطها في وجوه الناس في حركاتهم وسكناتهم”وهو يستبعد حدوث حرب شاملة، قائلاً: “لا حرب في طرابلس؛ لأن حكومة الدبيبة، لا تملك مقومات إطلاقها”.
ويشرح ذلك بأن الحكومة “لم تستطع حشد مصراتة كحاضنة لها للحرب”، كما أنها تفتقر إلى “العنصر البشري” المتمرس، معتمدة على “جيل جديد ترك مقاعد الدراسة” ولم توفر له الحكومة بديلاً عن العنف.
ويخلص البيوضي إلى أن هؤلاء الشباب “قادرون على القيام ببعض المناوشات في معركة محدودة لا تتجاوز 48 ساعة، لكنهم لا يستطيعون الإنخراط في حرب واسعة”.
ويوجه انتقاده قائلاً: “أما الحكومة فقد انتهت دورتها، وكل هذا التصعيد هو محاولة للتفاوض للحصول على أفضل الشروط وتحقيق بعض المصالح الشخصية للرئيس وبعض حاشيته”.
خطابات الغضب والشعبوية: صرخة في وجه العجز
عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عبر المرشح الرئاسي مبروك محمد أبوعميد عن غضب شعبي واسع، واصفاً الوضع بأن “طرابلس على صفيح ساخن”.
ووجه رسالة قوية قال فيها: “بعد 15 سنة من الحروب… وما زال شذاذ الآفاق يتحدثون كذبا وبهتانا عن الوطن”، معتبراً أنهم “ستذهبون لمزبلة التاريخ وستلعنكم الأجيال القادمة” ودعا إلى تأسيس دولة المؤسسات قائلاً: “نعم للمؤسسة العسكرية والأمنية لا للمليشيات”.
وفي منشور آخر، قدم أبوعميد تحليلاً نفسياً لخطاب بعض السياسين، معتبراً أن “عندما يتسلل العجز إلى النفوس يتحول الخطاب الوطني إلى خطاب شعبوي حماسي للتنفيس والهروب من الواقع”.
وشدد على أن “العالم لا يعترف إلا بالقوي، أما الخطابات الرنانة المنعزلة عن الواقع هي مجرد مسكنات وليست علاج”.
الموقف المدني والشعبي: رفض الحرب وحماية طرابلس
لم يكن الموقف الرسمي والشعبي غائباً عن هذه المعادلة. فالناشط الحقوقي أحمد حمزة أكد أن “أي عمل مسلح وإثارة لأعمال العنف داخل طرابلس لا مبرر له”، وأن هدفه هو “إفشال العملية السياسية”، محذراً من أن نتائجه ستكون “خطيرة وكارثية على الجميع”.
كما أعلن “حراك سوق الجمعة” في بيان له تضامنه مع أهالي تاجوراء ورفضه للحرب، متهماً “مليشيات تابعة لحكومة الدبيبة” بمحاولات الاستفزاز والتحشيد.
وأكد البيان أن “أبناء طرابلس جميعا صفا واحدا لحماية عاصمتهم ولن يسمحون بعودة أجواء الحرب والفساد”، محذراً من أن “دخول أي تشكيل مسلح إلى طرابلس سيقابل بالرفض الشعبي”.
بدورهم، استنكر أهالي تاجوراء في بيان منفصل “تحركات حكومة الدبيبة” ورفضوا استخدام مناطقهم “كميدان حرب” وحذروا جميع الأطراف بأنهم “سنقف سداً منيعاَ لمنع أي نزاع”، واعتبروا “أي تمركز عسكري أو دخول أرتال مسلحة اعتداء مباشراً على أهلها”، مطالبين الأجهزة الأمنية المحلية بمنع أي اختراق.
خاتمة: طريق مسدود وأثمان باهظة
تبدو طرابلس أمام مفترق طرق خطير، من جهة، هناك رغبة واضحة من طرف في الحكومة لفرض واقع جديد عبر القوة العسكرية لتعزيز موقعه التفاوضي ومن جهة أخرى، هناك تحالف مسلح راسخ وممتلك لأسباب القوة يحاول الدفاع عن وجوده ونفوذه.
بين هذا وذاك، يقف الشعب الليبي والمجتمع الدولي مراقباً بقلق، حيث تهدد أي خطوة خاطئة بإشعال حرب جديدة تذهب بكل ما تبقى من أمل في استقرار ليبيا وتوحيدها.
الأثمان السياسية والبشرية والاقتصادية لهذه المواجهة محسوبة بدقة من جميع الأطراف، والسؤال الذي ينتظر إجابة: من سيكون أول من يتراجع عن حافة الهاوية؟
يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا