أكد خبير النقل الجوي والطيران المدني، محمد عيسى، أن أزمة الديون التي تواجهها شركات الطيران الأفريقية، ومن بينها الشركات الليبية، تُعد من أبرز التحديات التي تعرقل تقدم وتطور صناعة النقل الجوي في ليبيا، وقال إن هناك مجموعة من التحديات التي يجب الوقوف عندها ومناقشتها بعمق، من أجل التوصل إلى حلول عملية تساهم في تخطي الأزمة الراهنة وتحقيق واقع أفضل ينسجم مع المعايير الدولية المعتمدة.
ورأى في مداخلة مع قناة “الوسط” أن الدمار الذي نجم عن النزاع المسلح في عام 2014 خلّف آثارًا مدمرة على أساطيل شركات الطيران الليبية والأفريقية، وأسفر عن خسائر فادحة أثرت سلبًا على الأداء التشغيلي والإداري والمالي لتلك الشركات، مضيفا أن هذا التدمير يُعد من العوامل الرئيسية التي أدت إلى استمرار الحظر الأوروبي المفروض، والذي ما زال يُجدد حتى اليوم.
وأكد في الوقت ذاته أن التعامل مع ملف الحظر لم يكن بالجدية الكافية اللازمة لرفعه في أسرع وقت ممكن، ما يشكّل عقبة أساسية في طريق نهوض قطاع الطيران المدني الليبي.
أشار عيسى إلى أن الانقسام الإداري والسياسي في البلاد، إلى جانب ضعف الإدارة في شركات الطيران سواء العامة منها أو الخاصة يمثل عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد الأزمة، موضحًا أن ما يقارب 15 شركة طيران خاصة ذات قدرات محدودة تتنافس حاليًا على أربع وجهات رئيسية فقط، وتعتمد غالبًا على طائرة واحدة لكل شركة، الأمر الذي يجعلها عرضة للتوقف الكامل في حال حدوث أي خلل فني.
كما لفت إلى غياب قاعدة صيانة قوية داخل البلاد، وهو ما يؤدي إلى إطالة فترات توقف الطائرات ويؤثر سلبًا على تجربة المسافرين، موضحا أن الشركة الليبية للصيانة والهندسة، التي تأسست بغرض تطوير منظومة صيانة الطائرات، قد توقفت قبل أن تبدأ فعليًا نتيجة الظروف السياسية والأمنية غير المستقرة، رغم أن السوق المحلي كان ولا يزال في حاجة ماسة إلى مثل هذه القاعدة.
وتحدث عيسى عن تحدٍ إضافي يتعلق بغياب الاستقرار الأمني وارتفاع تكاليف التأمين على الطيران، ما يدفع الشركات الأجنبية إلى تجنب الهبوط في المطارات الليبية. وأن هذا أحد الأسباب المباشرة التي تدفع العديد من الدول إلى الاستمرار في فرض وتجديد الحظر الجوي على الأجواء الليبية، موضحا أن من المشكلات الجوهرية الأخرى التي تواجه القطاع نقص التمويل وضعف الاستثمارات المستدامة.
وأكد أن الموارد المالية المتاحة محدودة جداً، كما لا يوجد دور فعّال للمصارف في دعم هذا القطاع الحيوي، في الوقت الذي يبذل فيه القطاع الخاص جهودًا كبيرة لمواجهة هذه الصعوبات.
وشدد عيسى على أن رفع الحظر الأوروبي المفروض على الطيران الليبي لن يكون ممكنًا إلا من خلال عملية إعادة هيكلة شاملة تعتمد على تبني استراتيجيات حديثة تركز على تطوير البنية التحتية، وتحسين الأداء الإداري، وتعزيز منظومة التمويل، والارتقاء بجودة خدمات الصيانة، إلى جانب العمل الجاد على ترسيخ الاستقرار الأمني في البلاد، مبينا أن الحظر الجوي الأوروبي المفروض على قطاع الطيران المدني الليبي لا يحمل أبعادًا سياسية كما يعتقد البعض، بل يرتبط بشكل مباشر بعدم التزام الجهات الليبية بالمعايير الدولية الخاصة بسلامة وأمن الطيران المدني.
وأكد أن الوضع لم يشهد أي تحسن يذكر منذ ما يقرب من أربعة عشر عامًا، وشدد على أهمية دعم مصلحة الطيران المدني الليبي من حيث الموارد المالية والإدارية، وتحويلها إلى هيئة مستقلة تتمتع بشخصية اعتبارية واضحة.
وأشار عيسى إلى أن من بين الخطوات العاجلة التي ينبغي اتخاذها القضاء على الروتين الإداري الذي يعيق العمل، وتعزيز التواصل والتعاون مع الهيئات الدولية المختصة مثل المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) ، ولجنة السلامة الجوية الأوروبية (EASA) ، والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، خاصة في ظل الانقطاع الحالي عن هذه المؤسسات، وهو ما يمثل عائقًا حقيقيًا أمام جهود رفع الحظر واستعادة نشاط الطيران الليبي دوليًا.
كما أضاف خبير النقل الجوي أن ليبيا فشلت حتى الآن في جذب شركات طيران عالمية للمساهمة في تعزيز أساطيلها، رغم امتلاكها موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وسوقًا واعدًا بالمقارنة مع دول الجوار مثل تونس والمغرب ومصر، التي تمكنت من إقامة شراكات ناجحة مع شركات دولية، وأوضح أن السبب الرئيسي يعود إلى الحظر الأوروبي المستمر، إلى جانب غياب الاتفاقيات الدولية الثنائية مع شركات الطيران الأجنبية، ما تسبب في مشاكل كبيرة للمسافرين الليبيين، خصوصاً في محطات الترانزيت مثل إسطنبول.
وأكد عيسى أن البلاد فقدت عضويتها في عدد من الهيئات والمنظمات الدولية المعنية بالطيران بسبب عدم تسديد الاشتراكات السنوية، وهو ما أثر بشكل مباشر على فرص التعاون مع الشركات العالمية والتحالف معها، مضيفا أن الخطوط الليبية، التي كانت في وقت سابق تُشغّل رحلات إلى 47 وجهة دولية، أصبحت تقتصر اليوم على أقل من خمس وجهات رسمية فقط.
وأشار عيسى إلى أن شركة “ميد سكاي” تمكنت مؤخرًا من التحايل على الحظر الأوروبي عبر استئجار طائرات لا يشملها هذا الحظر، ما أتاح لها تشغيل رحلات إلى محطات مثل مانشستر ودبلن، موضحا أن شركتي الخطوط الليبية والأفريقية لم تسلكا هذا المسار، ولم تستفيدا من خيار تأجير الطائرات للتغلب على الحظر، وهو ما يُعزى إلى غياب القرارات الإدارية الحاسمة والفعالة، الأمر الذي أثر سلبًا على وضع قطاع الطيران في البلاد.. واختتم عيسى تصريحه بالتأكيد على أهمية استعادة ليبيا لمكانتها في الاتحادات الدولية للطيران، وتعزيز مستوى التعاون مع شركات الطيران العالمية، بما يسهم في الحفاظ على الهوية الليبية في هذا القطاع، وربط البلاد مجددًا بجميع دول العالم من خلال شبكات نقل جوي متطورة وآمنة.