ليبيا الان

عام دراسي جديد في ليبيا بين أزمات معيشية وإرث سياسي مثقل

مصدر الخبر / قناة ليبيا 24

✍️ عبد العزيز الزقم – ليبيا 24:

مدارس تفتح أبوابها في قلب العاصفة

في منتصف سبتمبر، يعود التلاميذ الليبيون إلى مدارسهم بعد عطلة طويلة، في مشهد يعكس تلاقي الأمل بالواقع الصعب. آلاف الأطفال اصطفوا في طوابير الصباح بطرابلس وبنغازي وسبها ومصراتة، يرددون النشيد الوطني ببراءة، بينما يراقب أولياء الأمور بقلق بالغ كيفية تدبير نفقات الكتب والزي المدرسي في ظل موجة غلاء غير مسبوقة.

فالعام الدراسي الجديد في ليبيا لا يقتصر على استقبال التلاميذ داخل الفصول، بل يحمل في طياته معارك اقتصادية وسياسية واجتماعية، تتقاطع مع مستقبل التعليم كأحد ركائز بناء الدولة.

الأزمة المعيشية تضغط على العائلات

قبل افتتاح المدارس بأسابيع، تشهد الأسواق موجة طلب على المستلزمات الدراسية، لكنها قوبلت بارتفاع كبير في الأسعار. الحقائب المدرسية تضاعفت أسعارها أكثر من مرة، والدفاتر تباع بأسعار تعادل رواتب يومية لبعض الموظفين، فيما ارتفعت كلفة الزي الموحد إلى مستويات غير مسبوقة.

            •           تقول أمينة، موظفة من طرابلس: “أنفقت على تجهيز ابني ما يعادل راتب شهر كامل، وهذا قبل أن تبدأ مصاريف النقل والدروس الخصوصية.”

            •           بينما يضيف عمر، عامل يومي: “اضطررت للاقتراض من صديق لشراء حقائب لأطفالي الثلاثة. التعليم أصبح عبئًا فوق طاقة العائلات الفقيرة.”

الاقتصاديون يؤكدون أن غياب الرقابة في على الأسواق ساهم في فوضى الأسعار، حيث تراجع دور المؤسسات الرقابية التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية التي انشغلت، بحسب وصفهم، بالصراع السياسي أكثر من معالجة هموم الناس اليومية.

طرابلس: مدارس بلا تجهيزات كافية

في غرب ليبيا، خصوصًا طرابلس، تبدو الفوضى أوضح في المشهد التعليمي. المدارس مكتظة، والمباني متداعية، ونقص الكوادر التعليمية يزداد عامًا بعد عام.

            •           في إحدى مدارس حي الأندلس بالعاصمة، جلس التلاميذ في فصول تضم أكثر من 55 طالبًا.

            •           بعض المدارس لا تملك مقاعد كافية، فيجلس الأطفال على الأرض أو يتناوبون على الطاولات.

            •           أولياء الأمور يشتكون من أن مخصصات التعليم التي أعلنتها حكومة الدبيبة لم تنعكس فعليًا على الأرض.

تقول معلمة في طرابلس – فضلت عدم ذكر اسمها – إن الوضع يزداد صعوبة:

“نحن نعمل في ظروف مرهقة، لا يوجد عدد كافٍ من المعلمين، ولا صيانة للمباني، ولا حتى وسائل تعليمية. نسمع تصريحات عن دعم التعليم، لكن الواقع عكس ذلك.”

الشرق الليبي: صورة مختلفة

في المقابل، تسعى السلطات التعليمية في شرق البلاد إلى تحسين بيئة الدراسة رغم الإمكانيات المحدودة. تقارير محلية من بنغازي والبيضاء تشير إلى صيانة بعض المدارس وتوفير الكتب مبكرًا نسبيًا مقارنة بالغرب. ورغم الصعوبات الاقتصادية، يلاحظ الأهالي نوعًا من التنظيم الإداري الذي يخفف معاناة العودة إلى المدارس.

يقول ولي أمر من مدينة المرج:“نواجه غلاء الأسعار مثل الجميع، لكن على الأقل المدارس جاهزة، والطلاب وجدوا كتبهم في الأسبوع الأول، وهذا أمر كنا نفتقده في السابق.”

التعليم في ليبيا مقارنة بتجارب دول أخرى

العراق:

بعد سنوات الحرب، عانى العراق من أزمات مشابهة في التعليم، أبرزها تدمير البنية التحتية وضعف التمويل. لكن خلال العقد الأخير، تمكنت بغداد من إعادة بناء آلاف المدارس وتوحيد المناهج رغم الانقسامات السياسية. التحديات لم تختفِ، لكنها أظهرت أن الاستثمار في التعليم قادر على ترميم النسيج الاجتماعي.

السودان:

شهد السودان تراجعًا كبيرًا في معدلات الالتحاق بالمدارس خلال فترة الاضطرابات الاقتصادية والسياسية. إغلاق المدارس بسبب الأزمات الأمنية أضاع على الطلاب سنوات كاملة، وأدى إلى تفاقم البطالة بين الشباب.

ويحذر خبراء من أن ليبيا قد تواجه سيناريو مشابهًا إذا لم يُعالج الوضع التعليمي، خصوصًا في مناطق النزاع بطرابلس وضواحيها.

ليبيا:

بالمقارنة، يملك الليبيون أفضلية نظرًا لوجود دخل نفطي يمكن أن يُخصص لدعم التعليم، لكن سوء الإدارة والفساد، خاصة في حكومة الدبيبة منتهية الولاية، جعل هذه الإمكانية معطلة. بينما يواجه المجتمع ضغوطًا يومية، تظل وعود الإصلاح في الغرب مجرد تصريحات لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

الأبعاد الاجتماعية والسياسية

التعليم لا ينفصل عن المشهد السياسي الليبي. في الغرب، حيث حكومة الدبيبة، يتهم الأهالي السلطات بإهمال التعليم لحساب الحسابات السياسية والإنفاق على المليشيات المسلحة، فيما يعاني الطلاب من الفوضى والحرمان.

            •           يقول محلل اجتماعي من طرابلس: “الأطفال يدفعون ثمن الانقسام. الحكومة تنفق المليارات على شراء الولاءات، بينما المدارس بلا مقاعد.”

            •           في الشرق، ينظر الأهالي إلى التعليم كأولوية لبناء مجتمع أكثر استقرارًا، معتبرين أن دعم العملية التعليمية جزء من معركة الحفاظ على الدولة.

شهادات من الأهالي

            •           فاطمة، أم من سبها: “ابني يقطع مسافة طويلة للوصول إلى المدرسة، ولا توجد وسائل نقل مناسبة. الغلاء جعلنا نعيد استخدام الدفاتر القديمة.”

            •           عبد الرحمن، موظف من طرابلس: “أشعر بالخذلان من الحكومة. وعود كثيرة لكن المدارس لا تعكس أي تحسن.”

            •           مريم، أم في بنغازي: “رغم قلة الإمكانيات، على الأقل أشعر أن هناك اهتمامًا من المسؤولين. هذا يعطينا أملاً.”

المجتمع المدني يسد الفراغ

بسبب غياب فاعلية المؤسسات الرسمية، برزت مبادرات شعبية ومنظمات مدنية لتغطية بعض الاحتياجات. في طرابلس، نظم متطوعون حملات لجمع الحقائب والكتب المستعملة وتوزيعها على الأسر الفقيرة. وفي بنغازي، ساهمت جمعيات خيرية في إعادة تأهيل مدارس متضررة.

التعليم والأمن القومي

يرى خبراء أن الأزمة التعليمية تهدد مستقبل البلاد أكثر مما يتصور السياسيون. فالجيل الذي يتعلم في ظروف كهذه قد يفتقر إلى المهارات الأساسية، ما يعمّق البطالة ويدفع الشباب إلى خيارات خطيرة مثل الهجرة أو الانخراط في المجموعات المسلحة.

يقول الباحث سالم الورفلي: “التعليم ليس رفاهية، بل صمام أمان. إذا استمر الإهمال في الغرب، فإن طرابلس ستنتج جيلاً بلا أفق، وهذا خطر على ليبيا بأكملها.”

بين الأمل والإحباط

يبدأ العام الدراسي الجديد في ليبيا وسط تناقضات صارخة: أطفال بزي موحد يرددون الأناشيد الوطنية، وأولياء أمور يكدحون لتأمين أبسط المستلزمات، ومدارس نصفها بلا تجهيزات كافية.

في الشرق، ثمة محاولات جادة لإصلاح التعليم رغم الضغوط. في الغرب، يواجه الأهالي إحباطًا متزايدًا من حكومة الدبيبة التي عجزت عن ترجمة وعودها إلى واقع.

لكن وسط هذا المشهد، يظل تمسك المجتمع الليبي بالتعليم شاهدًا على إصراره على الحياة. فكل دفتر يُشترى رغم الغلاء، وكل طفل يدخل فصلًا مزدحمًا، هو رسالة بأن الليبيين متمسكون بمستقبلهم مهما كانت التحديات.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

قناة ليبيا 24

أضف تعليقـك

تسعة عشر + سبعة =